الإمام المجدد المحدث الفقيه شيخ الإسلام أحمد رضا خان البريلوي الحنفي عليه رحمة المنان والدفاع عنه - اعداد: محمد ابوالهاشم

 الإمام المجدد المحدث الفقيه شيخ الإسلام أحمد رضا خان البريلوي الحنفي عليه رحمة المنان والدفاع عنه

اعداد: محمد ابوالهاشم


(toc)

الحمد لله القائل في كتابه: إن الله يدافع عن الذين آمنوا ... نحمده ونصلي ونسلم على سيدنا محمد خير خلق الله وسيد المعلمين المعلم الأول وعلى آله وأصحابه الفقهاء والمحدثين ومن تبعهم في ذلك وغيره بإحسان إلى يوم الدين... أما بعد: أعرفكم بالإمام المجدد المحدث الفقيه الأصولي شيخ الإسلام أحمد رضا خان البريلوي الحنفي عليه رحمة المنان، له جهود كبيرة في إقامة شرعنا الحنيف ولا يختلف عالم منصف مع غيره بأنه مجدد عصره فرحمه الله تعالى أترككم مع ترجمته

 نسبه :

هو أحمد رضا خان بن محمد نقي علي خان بن محمد رضا علی خان بن محمد كاظم علي خان بن شاه محمد اعظم علي خان بن محمد سعادت یار خان بن محمد سعید الله خان ... رحمهم الله تعالى -

اسمه ولقبه :

سمي وقت ولادته بـ " محمد " ، وسماه جده بـ " أحمد رضا " وهو الاسم الذي اشتهر به ، واختير له اسم يوافق سنة ولادته بحسب الجمل ، هو (المختار) الذي يوافق السنة الهجرية التي ولد فيها ، وهي : ( ١٢٧٢هـ ) وقد أخرج الإمام البريلوي سنة ولادته من هذه الآية المباركة : أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه [سورة المجادلة : ٢٢]. وقد لقب بألقاب عدة لما تميزت به شخصيته القوية الفذة من أوصاف نادرة، منها : " أعلى حضرت " وهذا هو اللقب الذي اشتهر به في شبه القارة الهندية من الهند ، والباكستان ، وبنغلاديش.

أسرته وولادته :

ولد في مدينة " بريلي " إحدى مدن الولاية الشمالية الهندية في 10 من شوال المكرم سنة (١٢٧٢هـ /14 حزيران 1856م ) في سلالة معروفة بالفضل والشرف والعلم والتقوى ، تعود في أصولها إلى قبيلة (برهيج) الأفغانية التي كانت تقطن في مدينة (قندهار) ، وقد رحل أحد من أجداده محمد سعيد الله خان إلى (لاهور) في عهد الدولة المغولية الإسلامية ، وتولى مناصب مهمة في الدولة ، و أما حفيده مولانا محمد أعظم علی خان فقد اختار مدينة " بريلي " موطنا له ، حيث مولد الإمام ودفنه ، وهكذا كان قد تولى بعض أصحاب هذه الأسرة مناصب مهمة في الدولة ، ولبعضهم سمعة طيبة في أوساط العلم والعلماء ، فقد كان أبوه مولانا تقي علي خان (ت ۱۲۹۷هـ ) - رحمه الله تعالى - عالما فاضلا، كما كان جده مولانا رضا علي خان (ت ۱۲۸۲ هـ ) - رحمه الله تعالى - عالما تقيا ورعا.

نشأته وتعلمه:

وقد أدت هذه الخلفية المتميزة الواعية لأسرته الراشدة ، وذكائه الخارق، وظيفة مهمة في تكوين شخصيته النابغة وعبقريته الفذة ، فقد حير عقول الرجال من حوله بمنجزاته العلمية منذ نعومة أظفاره ، حيث أنهى القرآن الكريم بالقراءة وعمره أربع سنوات ، ووقف على المنبر خطيبا وعمره ست سنوات ، وتخرج في العلوم الإسلامية في 14 شعبان سنة (١٢٨٦هـ ) وهو لم يتجاوز الرابعة عشر من عمره، وبعد تخرجه في الدرس النظامي تصدر للإفتاء ، وبدأ بالتأليف والكتابة إضافة إلى التدريس ، وهكذا استمرت حياته إلى أن توفي تاركا لنا مآثر علمية ضخمة تنجزها المجامع العلمية ، ليس الشخص الواحد، إلا الذي تغمده الله بفضله وكرمه -

زيارة للحرمين الطيبين:

في سنة ١٢٩٤ هـ سافر الإمام مع والده المكرم إلى الزاوية القادرية "الماهرة المطهرة" من زوايا الهند المشهورة ليبايع الإمام سيدي الشيخ الشاه آل رسول الأحمدي المارة روي (نور الله مرقده) ويأخذ منه الطريقة ، فما أن وقع نظر الشيخ على الإمام وافق على إعطائه الطريقة بدون التحري والامتحان خلافا لما كان المعتاد في حضرته ، وذلك لما لاحظه من تباشير الفضل والصلاح في جبين إمامنا الأغر الأسعد. وبعد تشرفت بهذا الشرف العظيم اتجه الإمام مع أبيه إلى زيارة الحرمين الشريفين في عام ١٢٩٥ هـ . والتقى الإمام أثناء هذه الزيارة أكابر علمائها من أمثال الشيخ السيد أحمد دحلان وغيره ، واستفاد بهم. هذه هي المرة الأولى من زيارته ، وأما زيارته للمرة الثانية فقد كانت في عام ١٣٢٣ هـ . وفي هذه الرحلة الطيبة ألف الإمام " الدولة المكية بالمادة الغيبية " ، و"كفل الفقيه الفاهم في أحكام قرطاس الدراهم" . وقد نال هذان الكتابان رواجا مقبولا في الأوساط العلمية ، وأثنى عليه علماء الحرمين وغيرهم ثناء عطرا.

شيوخه وأساتذته:

المدرسة الأولى لتربيته وتعلمه تتشكل من أبيه وجده الذين كانا عالمين كبيرين وفاضلين جليلين ، فقد بذلا قصارى جهودهما في تثقيفية وإبراز محاسنه الأخلاقية وقدراته الإبداعية ، حيث تفتقت قريحته ، واستثمرت جهودهم ، فلم يترك أفقا من الأفاق ، بل تطلع إلى كل أفق جديد ، إضافة إلى هؤلاء ، يذكر أنه استفاد من مرشده وشيخه في الطريقة سيدي الشاه آل رسول الأحمدي المارة روي ، وسيدي الشيخ مولانا أبي الحسن النوري المارة روي ، وميرزا غلام عبد القادر بيك، والعلامة عبد العليم الرامفوري ، فحسب من علماء الهند ، وأما من علماء العرب فقد تلقى بعض العلوم الإسلامية ، وأخذ الإجازة ، من أمثال الإمام الجليل الفقيه المحدث السيد أحمد بن زيني دحلان الشافعي المكي ، والإمام الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله السراج المكي مفتي الحنفية ورئيس العلماء بمكة المكرمة ، والشيخ حسين بن صالح المكي وغيرهم - رحمهم الله جميعا.

تلامذته:

وكما كان إمامنا مجمعا فعالا في الكتابة والتأليف ، فألف ما يقارب ألف مؤلف ، كذلك كان مدرسة قائمة بذاتها ، تخرج فيها الفقهاء ، والمحدثون ، والدعاة ، والمفكرين ، من أمثال الشيخ حامد رضا خان الملقب بـ " حجة الإسلام " ، والعلامة مصطفى رضا خان الملقب بـ " مفتي الهند الأعظم " ، والمفتي أمجد علي الملقب بـ " صدر الشريعة " ، والشيخ محمد الكشو شوي " محدث الهند الأعظم " والداعية الكبير الشيخ عبد العليم الصديقي الملقب بـ " مبلغ الإسلام " وغيرهم كثيرون ، وكل الملقب منهم يشكل مدرسة مستقلة . هذا ويذكر في تلامذته بعض الأعلام العرب الذين تتلمذوا على يده ، وأخذوا منه الإجازة من أمثال الشيخ عبد الحي بن عبد الله الكتاني ، والشيخ أحمد الحضراوي المكي ، والشيخ السيد محمد سعيد المدني ، والشيخ عبد القادر الكردي ، وغيرهم. الله تعالى.

مؤلفاته:

كان رحمه الله كثير الإنتاج ، عزير التأليف ، فقد يقال إنه ألف أكثر من ألف كتاب ما بين مؤلفات ضخمة ورسائل صغيرة ، وقد يكون في هذا القول نوع من المبالغة إلا أن الذي لا باس في جزمه هو أنه معروف بكثرة التأليف وأكثر من ثلاثمائة كتاب من مؤلفاته متداول في الهند والباكستان والبنغلاديش ، ولهذا صح أن يلقب ب " السيوطي الثاني " في شبه القارة الهندية، ومن أشهر مؤلفاته " العطايا النبوية في الفتاوى الرضوية إثني عشر مجلدا، و" الدولة المكية بالمادة الغيبية " ، و"حسام الحرمين على منحر الكفر والمين" وغيرها.

إلمامه بالعلوم والفنون:

وكما كثرت مؤلفاته كذلك تنوعت ، فقد قيل إنه كتب في أكثر من خمسين علما وقنا، وفي أكثر من ثلاث لغات: العربية، والفارسية، والأردية. وقد تميزت مؤلفاته بالدقة ، والموضوعية ، وقوة الاستدلال ، وتلك واضحة لمن يطالع كتبه مدققا بإنعام النظر فيها ، ولا تأخذه أهواه التعصب والانحياز.

براعته في الفقه الإسلامي:

وبجانب إلمامه بالفنون المختلفة و تضلعه من العلوم الإسلامية ، قد تميز نبوغه في الفقه الإسلامي ، وبالأخص الفقه الحنفي تميزا واضحا ، فقد ألف في الفقه الإسلامي ما يربو على مائتي مؤلف ما بين مؤلفات ضخمة وكراسات صغيرة وتحمل كتبه هذه في ثناياها ميزات مهمة ، تميزه من غيره من الفقهاء ، منها : ندرة الاستنباط ، وقوة الاستدلال ، والإكثار من صور الجزئيات وإحاطته بضوابط ، وغيرها من خصائص ، لا تخفى على من يطالعها.

موفقه من التيارات الفكرية الهدامة:

كان رحمه الله تعالى قوى المعارضة وشديد الذكير على أصحاب البدع والمنكرات فقد قضى كل حياته منافحا عن بياض الإسلام ، ومدافعا عن حياضه ، متصديا لجميع التيارات الفكرية الهدامة ، سواء هبت ريحها من الغرب أو من الشرق ، حيث نراه يؤلف أكثر من ست رسائل في رد " القاديانية "، ورسائل أخرى في رد الطبيعيين ، وأخرى في غيرهم من أصحاب الملل والهوى.

دورة في رد البدع والمنكرات:

كما كان مرهف الإحساس ، شديد الوعي للتيارات الفكرية الضالة ، كذلك لم يغفل عما كان يجري في شبه القارة الهندية من أمور البدعة والخرافات والمنكرات ، فقد كتب رسائل كثيرة في هذه المجالات ، منها رسالته البديعة " جمل النور في نهي النساء عن زيارة القبور " التي كتبها غيرة على الأمة الإسلامية ، ليحافظ العتبات المقدسة من شر الفساد الذي بدأ يغزوها ، ولكي يضع حدا فاصلا بين مهرجانات الهندوس والمناسبات الإسلامية النقية الصافية ، وكذلك عنده رسالة في تحريم سجود التحية ، ورسالة أخرى في المنع عن أخذ " التعزية" ذكرى الامام سيدنا الحسين رضي الله تعالى عنه وغيرها من الرسائل في رد البدع والمنكرات.

 الخصائص الأسلوبية العامة في مؤلفاته:

 لكل كاتب أسلوبه ، ولكل أسلوب خصائص وميزات تميزه عن غيره، وخصائص أسلوب الإمام مما يمتاز عن غيره هي:

 أولا : قوة الاستدلال ، وندرة الاستنباط ، وحسن المحاضرة ، وغزارة الشواهد والأمثلة ، كأنه له نظرة عقاب يلتقط نصيبه من صعاب البحار.

 ثانيا : غاية الأدب والاحترام عند ذكر كلمة الجلالة حيث لم يذكر كلمة الجلالة " الله " إلا وأضاف إليه صفاته الأخرى مثلا " تعالى " أو " عز وجل " أو " الله رب العزة والجلالة "...إلخ.

 ثالثا : كذلك كلما جاء ذكر الرسول - عليه الصلاة والسلام - لا يقتصر على " ص " أو " صلعم " أو على أي نوع من المختصرات ، بل يصلي على جنابه الكريم بأكمل صورة ، وبكل أدب واحترام محبا صادقا.

 رابعا : كذلك لا يذكر أسماء الأولياء والصالحين مجردة عن الدعاء لهم ، بل يذكرهم ويدعو لهم بأكمل صورة غير مقتصر على المختصرات والرموز حسب مراتبهم ، مثلا " رضي الله تعالى عنهم " و" رحمهم الله تعالى " و" نور الله تعالى مراقدهم وغيرها ، وذلك تحاشيا عن البخل في حقه - عليه السلام – وحق الصالحين - رضي الله تعالى عنهم.

 خامسا : يكثر من ذكر صفات وخصال حميدة عند إتيان أسماء الأنبياء والصالحين استلذاذ واستعظام لما كان يفهم قلبه حبا ، وعقيدة ، وإجلالا غاية الإجلال ، وتكريما بحسن الحفاوة والاهتمام.

 سادسا : شديد التواضع مع نفسه ، فهو سيف بتار ، وقاهر جبار على المنكرين الملحدين ، وحليم متواضع مع نفسه؟ أشداء على الكفار رحماء بينهم الفتح:٢٩] ولا رأفة في قلبه ، ولا رحمة في سريره ، ولا ليونة في طبعه ، فهو أشد من الفولاذ على من يتجرأ في جناب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوقاحة أو أدنى جرأة يمس احترام النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لما كان يفهم قلبه بحبه - صلى الله عليه وسلم هذه وغيرها من الخصائص الأسلوبية التي توافرت في مؤلفات الإمام بوفرة ملحوظة مما يدل على أدبه وصدقه في حبه الله عز وجل - والأنبياء والصالحين - 

 وفاته ودفنه:

 في مدينة " بريلي حيث مرقده ، توفي - رحمه الله تعالى - في ٢٥ من صفر المظفر سنة 1340 هـ / ٢٨ من تشرين أول (أكتوبر) عام ١٩٢١م بعد حياة نسجت يدها على ظهر الزمان خمسا وستين سنة ، فليكثر الله تعالى أمثاله ويخلد ذكراه ويجعل الجنة مثواه -


Tags

#buttons=(Accept !) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Learn More
Accept !